ابن حزم

474

الاحكام

معها فيه ، والعمل فعل النفس بتحريك الجسد ، فهو شئ آخر غير الاعتقاد وقد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بقوله صلى الله عليه وسلم العمل بالنيات ، فجعل النية وهي الاعتقاد غير العمل . قال أبو محمد : وقد احتج القدماء - من القائلين بقولنا في هذه المسألة - بحجج منها أمره تعالى إبراهيم عليه السلام بذبح ولده ، وقول إبراهيم عليه السلام : * ( إن هذا لهو البلاء المبين ) * وقالوا : هذا بيان جلي أن الذي أمر به نسخ قبل أن يكون ، لان قوما قالوا : إنما أمر بتحريك السكين على حلق ولده فقط ، فأبطل تعالى قولهم بقول إبراهيم : * ( إن هذا لهو البلاء المبين ) * ولو لم يؤمر بقتله لما كان في تحريك السكين على حلقه بلاء فصح بقول إبراهيم عليه السلام ، أنه إنما أمر بقتل ولده وإماتته بالذبح ، ثم نسخ ذلك قبل فعله . قال أبو محمد : وهذا احتجاج صحيح لا ينفك منه أصلا . فإن قال قائل : عرفونا ما الذي أراد الله تعالى منا إذا أمرنا بالشئ ثم نسخه قبل فعله ، أراد العمل به ثم بدا له قبل فعله ؟ أم أراد ألا يعمل به ؟ والشئ إذا لم يرده تعالى فقد سخطه وكرهه ولم يرضه ، فعلى قولكم إنه تعالى يأمرنا بما يكره ويسخط ويلزمنا ما لا يرضى كونه منا . قال أبو محمد : فيقال ، وبالله تعالى التوفيق ، إنه تعالى أمر بما أمر من ذلك ولا مراد له إلا الانقياد في المأمور فقط ، ولم يرد قط وقوع الفعل ، ونهانا عنه قبل أن يكون منا ، ولا يسأل عما يفعل ، ولسنا ننكر أن يأمرنا تعالى الآن بأمر قد علم أن بعد مدة ينهى عنه ويسخطه ، وإنما الذي ننكر أن يأمر تعالى بما هو ساخط له في حين امره ، فهذا لا سبيل إليه . وأما أن يأمرنا بأمر قد علم أنه سينهانا عنه في ثاني الامر ، ويسخطه بعد مرور وقت الامر به ، فهذا واجب وهذه صفة كل نسخ ، وكل أمر مرتبط بكل وقت ، وبالله تعالى التوفيق ، وقد اعترض بعضهم في أمره تعالى بخمسين صلاة ، ثم جعلها تعالى إلى خمس بأن قال :